حكايات على سلالم المترو.. في أول أيام تطبيق زيادة الأسعار (معايشة)

اكر

الحادية عشر صباحًا، نهار ساخن يليق بموجة مايو الحارة، وهدوء حذر بشوارع القاهرة الكبرى، على عكس ذروة الأيام الست الأخرى، لكن هذه الجمعة لم تكن مثل أي عطلة، فهي اليوم الأول لتطبيق قرار زيادة أسعار المترو بحسب عدد المحطات والمناطق.

وبينما بدأ سوق المنيب المجاور لأولى محطات الخط الثاني من المترو الأنفاق هادئًا، جلسا “سيد ومحمد” بالزي البني لعمال النظافة يتبادلون أطراف الحديث بتعجب: “الناس طوابير جوا أهه، مافيش حاجة حصلت”، فيرد عليه الآخر جازما: “مش هيحصل حاجة”، في إشارة منهما لرفع سعر تذاكر المترو.

على بوابة المحطة، التي غلب على جدرانها اللون الأزرق، لم يفت أحدًا من ماكينة التفتيش الإلكترونية، ينفذ منها صوت التنبيه الآلي النسائي المعتادة “السادة ركاب مترو الأنفاق، حرصا من الشركة القومية لمترو الأنفاق على تطوير خدماتها، تقرر تطبيق نظام تعريفة المترو بحسب المناطق..”، نداء جعل الوجوه تتجهم، منها من آثر الصمت، ليحاول أن يجيب على أسئلة في ذهنه “ما الحل؟”، و”ماذا سيفعل”.

وآخرين أطلقوا العبارات الاعتراضية الغاضبة من كافة الاتجاهات: “هما مش لسه رافعينها؟!”، فيرد عليه آخر: “مش احنا إللي رضينا بالاتنين جنيه(يقصد الزيادة الأولى)”، ثالث من نهاية طابور التذاكر يقول: “14 جنيه مترو في اليوم الواحد.. والله حرام”، يطلق من يرافقه الحرية للسانه في السباب.

أمام شبابيك تذاكر محطة مترو المنيب الأربعة المكتظة بالصفوف كعادتها، وقف “حازم”، عامل عشريني لم يتم تعليمه، في طريقه لعمله وهو يغالبه النعاس، لم يستفيق لصوت التنبيه الآلي، لم ينتبه سوى لأحدهم الذي خرج أخيرا من إحدى الصفوف، ينظر إلى التذكرة الحمراء التي حصل عليها، مقابل 5 جنيهات، يسب ويلعن ويتلفظ بعبارات غاضبة، “إيه إللي حصل!”، يقولها حازم بتعجب، فيرد الآخر: “التذاكر غلوها”، يعلو صوت حازم قليلًا ويطلق ضحكة متقطعة مصدومة، ويتبعها بقوله: “إيه غلو التذاكر.. لينا ربنا”.

أمام شباك التذاكر وقف “محمود”، موظف خمسيني، يجادل الموظف التذاكر، على عدد المحطات التي من المفترض أن يركبها ليزور ابنته وأحفاده في آخر الخط، يرى الرجل أنه لا يجب أن يدفع أكثر من 5 جنيهات، بينما كان رأي “رجل الشباك”، أنه عليه أن يدفع سبعة، يندفع الرجل ممسكا بتذكرته الزرقاء، ويقول منفعلا: “هروحلها بعد كدة مرة واحدة في الشهر، مش مرتين”.

في المساحة الكائنة بين الصفوف التي عادة ما يخترقها أحد المتعجلين مستسمحًا أول من بالصف أن يشتري له تذكرة إضافية، مد المهندس الزراعي “حسين” أصابعه بـ( 2 جنيه فضه) إلى موظف الشباك، لكنه على عكس العادة فوجئ بالرفض، “التذاكر غليت”، هكذا رد أول من بالصف بعبارة مقتضبة قبل أن يغادر، بينما استفهم المهندس من أحد المجاورين عن التعريفة الجديدة، وحصل على التذكرة بطريقته نفسها.

على الجانب الآخر، خرجت زينب من الطابور بثلاثة تذاكر حمراء، مسرعة نحو “سلايفها” الاثنين، ثلاثة سيدات يسرن في العقد الرابع من العمر، يتوحدن في الزي، تعلو أصواتهن بانفعال، وهم يحاولون رد ما دفعته من نقود: “لا والله ما انتي دافعة.. دي التذكرة بـ 5 جنيه”، يتدافعن نحو ماكينة التذاكر، واحدة ضمن ثلاثة فقط يعملون في المحطة، تدفع أحدهم فتاة نحيلة تتقدمها، ثم تنهرها وكأنها ترغب في بداية: “إوعي.. يعني 5 جنيه وكمان مش هندخل”، تكتفي الفتاة أن ترمقها بنظرة متفحصة، وتمضي.

وعند الماكينة المجاورة، هرولت سيدة أخرى، يتقدمها صغارها الثلاثة، حصلت هي وهم على تذكرة واحدة فقط، اختلطت أجسادهم وهم يحاولون أن يحشروا بين مواسير الماكينة الثلاثة، محاولة باءت بالفشل.

تجاوزت ابنتها الكبرى برفقة شقيقها الأصغر فقط الماكينة، بينما وقعت هي فريسة، في يد فتاة أمن المترو، التي قررت أن ترأف بحالها، وتكتفي بتوجيهها للحصول على تذكرة أخرى، وليس توقيع غرامة، أمرٌ اعتبرته السيدة ظلم وافتراء.

وعلى الدرج المؤدي إلى عربات المترو داخل المحطة، عادت الثرثرة حول قرار الغلاء من جديد، الجميع يحاول إيجاد البديل، في الماضي كان مترو الأنفاق هو الأرخص والأسرع، أما الحاضر يتحدد بحسب الأولوية، وبينما انهالت التهديدات والدعوات بمقاطعة مترو الأنفاق، والعودة إلى الشوارع والنقل العام، تبادلت الوجوه ابتسامات عاجزة لسان حالها، إنها حلول غير منطقية، ولا وجود من بديل، فقط “ما باليد حيلة”.

أخبار تهمك

تعليقات الفيس بووك:

اضف تعليق